الياس شوفاني
204
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
الرابع ( المجذوم ) ، فرجع إلى القاهرة ليبدأ من جديد . وعاد صلاح الدين ( 1179 - 1182 م ) إلى قتال الصليبيين ، محاولا مهاجمتهم برا وبحرا . وبينما حاول أسطوله فرض حصار على الساحل ، قام جيشه بهجمات سريعة على الشوبك والجليل وبيسان وبيروت . لكن الصليبيين تمكنوا من إلحاق الهزيمة به في معركة الطيبة ( 1182 م ) . ومع ذلك ، ثابر صلاح الدين في حربه معهم من دون هوادة . وانتهز فرصة الهجوم على قافلة من الحجاج ، كانت أخته فيها ، قام بها أمير الكرك رينالد دو شاتيون ، الذي أتبع ذلك بمحاولة مغامرة لاحتلال أيلة ، وركوب البحر الأحمر إلى مكة والمدينة ، ودخل صلاح الدين أراضي مملكة أورشليم مرة أخرى . فاحتل بيسان ، ثم زرعين ، وفرض حصارا على الكرك ، واحتل نابلس والسامرة ومرج ابن عامر ، ثم فرض حصارا على طبرية . وتجمع الصليبيون في صفورية لفك الحصار عن طبرية ، فالتقوا جيوش صلاح الدين في حطين ( 1187 م ) ، حيث ألحق بهم هزيمة ساحقة ، وأخذ الكثيرين من أمرائهم ، بمن فيهم ملك أورشليم ، أسرى . وبذلك سقطت المدن والحصون والقلاع في يديه من دون مقاومة ، بما فيها القدس . ولم تبق في أيدي الصليبيين إلّا مدينة صور ، التي أنقذها كونراد دو مونتفرات ، فأصبحت مركز حشد للفرنجة . وطوال الأعوام التسعين اللاحقة تقريبا ، ارتبط تاريخ الأيوبيين بالصليبيين وقتالهم ، فكانت فلسطين في قلب ذلك التاريخ ، وشهدت صعود صلاح الدين والتحرير ، كما واكبت هبوط ورثته من بعده ، وما رافق ذلك من صراعات دامية . ج ) الأوضاع الاقتصادية - الاجتماعية بعد الحملة الصليبية الأولى ، وتأسيس مملكة أورشليم اللاتينية ، انتعشت البلاد اقتصاديا ، بعد الخراب الذي لحقها جراء الفوضى السياسية أيام السلاجقة والفاطميين . وانسجاما مع الأهداف الاقتصادية للحملات الصليبية ، تحوّلت فلسطين ، بسبب موقعها الجغرافي ، من جهة ، ونشاط المدن الإيطالية ، من جهة أخرى ، إلى مركز للتجارة الدولية بين الشرق والغرب - من الصين إلى أوروبا . وقد أدّت « الكومونات » الإيطالية ، ذات الخبرة الواسعة بشؤون التجارة والتي تملك رأس المال والأساطيل ، دورا مركزيا في هذا التطور . وفي أيام صلاح الدين ، وكذلك في أيام العادل والكامل من بعده ، ازدهرت التجارة ، وتطورت الزراعة والصناعة . ولكن الأهم هو أن مدن الساحل أصبحت تستحوذ على قسط كبير من التجارة الدولية ، وحلّت محل المراكز الكبرى السابقة - الإسكندرية والقسطنطينية - فأصبحت ملتقى التجارة من الشرق